محمد أبو زهرة

3513

زهرة التفاسير

الثانية - قوله تعالى : اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ تدل على كمال السلطان ، وأنه لا يخرج عن سلطانه شئ في الأرض ولا في السماء ، فالأرض باتساعها من جبال ووهاد ويابس وماء وأحياء وزرع وغراس كلها بتدبيره وسلطانه . ثم قال سبحانه : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ إشارة إلى خالق السماء والأرض وما فيهن ومدبر أمرهما وذو السلطان المستولى على كل شئ ، والخطاب للإنسانية كلها لأنه رب العالمين . ويلاحظ المتتبع لآيات اللّه تعالى أن الإشارة تقترن بحرف الكاف ويكون الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ولأمته بالتبع ، وضمير الجمع كما في هذا النص ذلِكُمُ يكون إما للناس أجمعين ، وإما للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأمته ابتداء . وهذا الخطاب للناس أجمعين ، وذكر لفظ الجلالة فيه إشارة إلى أنه المستحق وحده بلا شريك وأنه المنشئ والمشرف على كونكم وقد ربّكم ورباكم وتعهدكم فَاعْبُدُوهُ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، أي أنه يعبد لأنه اللّه المنشئ جل جلاله ؛ ولأنه رب الوجود ولا يعبد إلا وحده فاعبدوه عبادة تقتضى بطلان الشريك . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ الاستفهام للتعزيز وطلب التذكر ، و ( الفاء ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، وهي مؤخرة عن تقديم ؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما ، وهمزة الاستفهام داخلة على ( لا ) والاستفهام لإنكار الوقوع بمعنى النفي ونفى النفي إثبات ، والمعنى حض على التذكر ، والتذكر أدنى التفكير ، والمعنى تفكروا بأدنى التفكير فإنكم حينئذ تجدون اللّه هو الذي يعبد وحده ولا يعبد سواه . ثم بشر اللّه بعد ذلك المؤمنين وأنذر الكافرين ، فقال تعالت كلماته : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ ( 4 ) . بعد أن بين اللّه تعالى أنه خالق السماوات والأرض ومن فيهن ذكر سبحانه وتعالى أنه لم يخلقهم عبثا ، بل إنه خلقهم ليعمروا الأرض ويقوموا فيها بالأعمال